محمد سعيد رمضان البوطي

144

فقه السيرة ( البوطي )

وصفاته وتقريره ، فلو أنه فعل كما فعل عمر ، لحسب الناس أن هذا هو الواجب ! . . وأنه لا يجوز أخذ الحيطة والحذر ، والتخفي عند الخوف ، مع أن اللّه عز وجل أقام شريعته في هذه الدنيا على مقتضى الأسباب ومسبباتها ، وإن كان الواقع الذي لا شك فيه أن ذلك بتسبيب اللّه تعالى وإرادته . لأجل ذلك ، استعمل الرسول صلى اللّه عليه وسلم كل الأساليب والوسائل المادية التي يهتدي إليها العقل البشري في مثل هذا العمل ، حتى لم يترك وسيلة من هذه الوسائل إلا اعتدّ بها واستعملها ، فترك علي بن أبي طالب ينام في فراشه ويتغطى ببرده ، واستعان بأحد المشركين - بعد أن أمنه - ليدله على الطرق الفرعية التي قد لا تخطر في بال الأعداء ، وأقام في الغار ثلاثة أيام متخفيا ، إلى آخر ما عبّأه من الاحتياطات المادية التي قد يفكر بها العقل ، ليوضح بذلك أن الإيمان باللّه عز وجل لا ينافي استعمال الأسباب المادية التي أراد اللّه عز وجل بعظيم حكمه أن يجعلها أسبابا . وليس قيامه بذلك بسبب خوف في نفسه ، أو شكّ في إمكان وقوعه في قبضة المشركين قبل وصوله المدينة ، والدليل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام بعدما استنفد الأسباب المادية كلها ، وتحلق المشركون حول الغار الذي يختبىء فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحبه - بحيث لو نظر أحدهم عند قدمه لأبصر الرسول صلى اللّه عليه وسلم - استبد الخوف بقلب أبي بكر رضي اللّه عنه على حين كان يطمئنه عليه الصلاة والسلام قائلا : « يا أبا بكر : ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما ؟ » ولقد كان من مقتضى اعتماده على كل تلك الاحتياطات أن يشعر بشيء من الخوف والجزع في تلك الحال . لقد كان كل ما فعله من تلك الاحتياطات إذا ، وظيفة تشريعية قام بها ، فلما انتهى من أدائها ، عاد قلبه مرتبطا باللّه عز وجل معتمدا على حمايته وتوفيقه ، ليعلم المسلمون أن الاعتماد في كل أمر لا ينبغي أن يكون إلا على اللّه عز وجل ، ولكن لا ينافي ذلك احترام الأسباب التي جعلها اللّه في هذا الكون أسبابا . ومن أبرز الأدلة على هذا الذي نقوله أيضا ، حالته صلى اللّه عليه وسلم عندما لحق به سراقة يريد قتله وأصبح على مقربة منه ، لقد كان من مقتضى كل تلك الاحتياطات الهائلة التي قام بها أن يشعر بشيء من الخوف من هذا العدوّ الذي يجدّ في اللحاق به ، ولكنه لم يشعر بشيء من ذلك بل كان مستغرقا في قراءته ومناجاته لربه لأنه يعلم أن اللّه الذي أمره بالهجرة سيمنعه من الناس ويعصمه من شرّهم كما بيّن في كتابه المبين . 3 - وفي تخلف علي رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في أداء الودائع التي كانت عنده